أحمد بن علي القلقشندي

53

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إنّ أولى من ولي الأعمال ، وتعلَّقت بكفايته الآمال ، وعدقت ( 1 ) به المهمّات ، وأسندت إليه الولايات ، من نطقت بمعدلته الألسنة ، وانتفت عن عين خبرته السّنة ، وكان حسن السياسة لرعيّته ، كثير العمارة مدّة توليته ، شهما في استخراج الحقوق من جهاتها ، صارما في ردع المجرمين عن زلَّات النفس وهفواتها ، حسنة سيرته ، خالصة مناصحته وسريرته . ولمّا كنت أيها الأمير فلان - أدام اللَّه تأييدك وتسديدك ، وحراستك وتمهيدك - أنت المتوشّح بهذه الصّفات الحسان ، المتّصف بما تقدّم من الشّرح والبيان ، الذي نطقت شمائلك بشهامتك ، وشهدت مخايلك بنباهتك - خرج الأمر الفلاني بأن تتولى مدينة سمنّود وضواحيها ، وما هو معروف بها ومنسوب إليها ، بشرط بسط العدل ونشره ، وإعباق عرف ( 2 ) الحق ونشره ، وأن تخفّف الوطأة عنهم وتفعل ما هو أولى ، وتعلم أنك تسأل من اللَّه تعالى في الأخرى ومنّا في الأولى ، وأن تصون الرعايا وتجتلب لنا أدعيتهم ، وتعاملهم بما يطيّب نفوسهم ويبلَّغهم بغيتهم ؛ حتّى يتساوى في الحق ضعيفهم وقويّهم ، ورشيدهم وغويّهم ، ومليّهم ودنيّهم ، وأن لا تقيم الحدود على من وجبت عليه إلا بمقتضى الشرع الشريف ، والعدل المنيف ، وأن تشدّ من نوّاب الحكم العزيز ، وتفعل في ذلك فعل المهذّب ذي التمييز ، وأن تحسر عن ساعد الاجتهاد في الجمع بين استخراج جميع الحقوق الديوانية والعمارة ، وتجعل تقوى اللَّه هي البطانة لك والظَّهاره ، وأن تبذل النهضة في استخراج الأموال ، وتحصيل الغلال على التّمام والكمال ، بحيث لا يتأخّر منها الدّرهم الفرد ولا القدح الواحد ، وتفعل في ذلك فعل المشفق المشمّر الجاهد ، وأن تديم مباشرتك للأقصاب في حال برشها وزراعتها وتربيتها وحملها ، واعتصارها وطبخها ، وتزكية أثمارها ، بحيث

--> ( 1 ) المراد : نيطت به ، والأنسب استعمال « عزقت » بالزاي المعجمة وهذا اللفظ يتكرر في كثير من النصوص العائدة للعصر المملوكي والأيوبي التي يوردها القلقشندي ( 2 ) أي نشر رائحته الطيبة .